من أرشيف الذاكرة .. من صالون كاذب إلى ماخور

من أرشيف الذاكرة .. من صالون كاذب إلى ماخور
• لقد أغرقونا ولم نعد نخشى البلل.. فرمونا ولم نعد نتحاشى ما تفعله السكين، صهرونا ولم نعد نبالي بالطرق والحدادة.. استغرقتنا إرادة لا تموت ولا تلين.. سنظل نقاومهم حتى يدوخ الزمان من الدوران.. نقاومهم بشجاعة وجسارة لا تستسلم ولا تنحسر ولا تخور.. سنسحق ما بقي لدينا من مخاوف، ونتحرر من كل هاجس، ونحشد كل الطاقات في مواجهة الطغيان.

• سنأكل أكبادنا، ونلقي قلوبنا في الجحيم، دون أن نطأطئ رأسا، أو نبوس قدما، مهما كان الحاضر قاتما وداجيا وشاتيا؛ فالمستقبل المشرق لنا، لأننا من نبحت عنه.. لن نكل ولن نمل ولن نيأس، وسنستنهض دوما قوانا من إرادة لا تعرف الهزيمة.. سننهض كل مرة من تحت الرماد كالعنقاء.. لن نتردد في ركوب البحر مهما كانت الأهوال والأحوال، فالعشق فينا يتأجج على الدوام.. لا يُخمد ولا يُهمد، وأرواحنا جذوة تشتعل، لا تنطفي ولا تموت..

***
• على مدار خمسة عشر عاما من عضوتي في البرلمان، لم أجد يوما أي حكومة صادقة من الحكومات المتعاقبة على مختلف مسمياتها، ولم يكن البرلمان طيلة هذه المدة جادا مرة واحدة في مُساءلة أي حكومة، أو حتى في استخلاص صدقها، أو في اتخاذ إجراءاته الدستورية في سحب الثقة من أحد أعضاءها، بل كاد البرلمان يعاقبني في عام 2006 عندما أقسمت أن وزير داخليتها رشاد العليمي كاذب.

• لم أكن الأول ولا الوحيد الذي يصف حكومة أو زير فيها بالكذب، فنشتيه يقول: “الحكومة تكذب ببرود.. كل ما تقوله الحكومة كذب” ومريد البرغوثي يقول: هناك دائماً روايتين لكل ما يحدث : “رواية صادقة، و رواية الحكومة”. فيما بيل موري يقول: “إن كذبنا على الحكومة تلك جناية, وإن كذبت الحكومة علينا فهي سياسه”

• غير أن الأمر اليوم أختلف عن سابقه، فلم تعد حكومة الإنقاذ في صنعاء، أو حكومة “الشرعية” في عدن تمارسان الكذب فقط، بل أتضح لنا بجلاء، إن تلك الحكومتين هما نفسيهما، كذبتين كبيرتين لا تُبارى ولا تُنافس..

• كل دولة كما يقول “جوزيف دي مايستر” لديها الحكومة التي تستحقها”.. ولكن نحن في اليمن لم تعد لدينا دولة للأسف.. قال تشرشل: “كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقها” فيما نحن في اليمن اليوم ليس لدينا حكومة، لنتحدث عنها، بل لدينا كذبتين كبيرتين إحداهما اسمها “حكومة الشرعية”، والثانية اسمها “حكومة الإنقاذ”.. ولو كان تشرشل يعيش إلى اليوم لوصفهما بالمواخير لا بالحكومات.

• كانت الحكومات السابقة تقدم للبرلمان معلومات كاذبة.. أما اليوم فلم تعد الحكومات تقدم شيء، ولم يعد في يدها أي شيء.. بل صارتا حذائين يتم انتعالهما من قبل الغير في المناطق القذرة والموحلة، وباتتا قفازين يتم لبسهما حال غسل الجرائم القذرة لغيرهما، وتتحمل التبعات.. بل وتم تحوليهما إلى ماخورين، ومغاسل قذرة في أفضل الأحوال. هنا الدعارة الحقيقية يا مواخير الدعارات.

***

• كانت الحكومات في السابق تقدم معلومات كاذبة أو مظلله للبرلمان، وتزف إليه أرقاما مناقضة للواقع إلى حد بعيد.. وما كانت الحكومة تستسهل البرلمان إلى تلك الدرجة، إن لم يضع المجلس نفسه محل استسهال واستصغار، بل هو كان في الحقيقة سهلا وصغيرا.. أصغر من حبة خردل.

• هيئة الرئاسة أوكل لها دور المعطل لكلما من شأنه أن يجعل المجلس يمارس مهامه حتى في حدودها الدنيا.. تعيق وتعرقل وتحبط حتى ما هو متواضع، ويكفي هنا أن نستدل بتقرير تهريب الأطفال اليمنيين إلى دول الجوار، واستغلالهم جنسيا، حيث تعمدت هيئة الرئاسة عدم مناقشته، أو عرضه على النواب في قاعة البرلمان مدة تقارب الأربع سنوات من إنجازه، رغم تواضع هذا الإنجاز وتواضع ما ورد فيه..

• في الخلاصة العددية التي وافت بها وزارة الداخلية مجلس النواب للحالات التي تم ضبطها في قضية تهريب الاطفال؛ هي مائة وواحد وثمانين حدثا، وثلاثة وعشرين فتاة، قام بها اثنان وستون مهربا خلال الاعوام من 2000 وحتى 2004م هذا رقم ليس فيه فقط استسهال واستصغار للمجلس، بل أيضا استخفاف واستهتار بالغ فيه، ولكن كل يضع نفسه حيث يشاء..

• غير ان تقرير وزيرة حقوق الانسان الأستاذة امة العليم السوسوه المرسل لمجلس النواب ذكر ان الدراسة الميدانية التي اجرتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، اشارت الى ان اجمالي الاطفال المهربين الذين تم اعادتهم عبر سفارتنا في الرياض وقنصليتنا العامة بجدة خلال العام 2003م بلغ ثلاثة الاف وخمسمائة طفل.. وهذا العدد يمثل الاطفال المهربين الذين ضبطوا وحجزوا في مراكز الحجز السعودية في ( الرياض ، جدة، مكة، المدينة ، والطائف) اي المدن السعودية البعيدة عن الحدود، اما المدن السعودية الجنوبية والقريبة من الحدود اليمنية فقد تكون الاعداد اكثر من هذا..

• هذا الرقم ما كنا لنصل إليه من الحكومة لو لم تكشفه ابتداء مصادر خارجية.. ثم أن هذا الرقم لم يكشف الحقيقة كلها أو حتى نصفها.. فعندما ذهبنا أنا وزميلي نبيل الباشا لمكتب اليونسيف في صنعاء، والتقينا بممثل اليونسيف في اليمن السيد رامش شرستا اشار الى ان عدد الاطفال المهربين يصل الى تسعة الاف طفل من الفئة العمرية، ما دون السادسة عشر سنة في العام 2003م، وعندما سألناه عن مصدر معلوماته اجاب بالقول : من وزارة الداخلية والحدود. مضيفا ان هذا الرقم مخيف ومقلق ويتزايد باستمرار. ومشيرا الى وجود عمليات تهريب منظمة يشترك فيها بعض الاشخاص العاملين في الاجهزة الحكومية.

• ولكن لماذا وزارة الداخلية تعطي مجلس النواب معلومات لا تستحق الذكر، وتعطي المنظمات الخارجية كل المعلومات.. الجواب: لأنها لا تريد أن يطّلع الشعب على شيء مما يحدث في الواقع لغير صالحها، فيما تريد بالمقابل أن تتسول الأموال بالأطفال الضحايا، من المنظمات الدولية.

• ومن أجل ذلك لم يقتصر التسول على دولة واحدة، أو دولة بعينها، أو منظمة واحدة، وإنما تتسول الجميع لحصد أكبر ما يمكن حصاده من الأموال، وكان قد تم الكشف أن حكومة الولايات المتحدة رصدت مبلغ 8 ملايين دولار جائزة لأفضل بحث أو دراسة عن عمالة وتهريب الأطفال في اليمن. وأشارت إلى أن هذه المسابقة تأتي خارج إطار الدعم الحكومي الأمريكي لمشروع مكافحة عمالة الأطفال في اليمن المقدر بـ 29 مليون دولار. غير أن ما تم جنيه من التسول بالأطفال ضحايا التهريب كان أكثر من هذا بكثير..

• وكانت لجنة الحريات وحقوق الإنسان في مجلس النواب، قد توقفت عند سؤال هل تهريب الأطفال الجاري الحديث عنهم هو ظاهرة ام مشكلة، وعمّا إذا كان هناك اتجار بالأطفال أم لا، انتصر الإجماع مؤتمر ومعارضة، على من شذ منه، ولم يشذ من الجمع غير اثنين أنا واخدا منهم.. هكذا قرر الإجماع بان تهريب الأطفال ليس ظاهرة، وانه لا وجود لشيء اسمه اتجار فيما تشهده اليمن من تهريب للأطفال، وزائد على هذا قال عضو اللجنة الإصلاحي أحمد هادي الشقذه: “إن ما يثار في الصحف حول ظاهرة تهريب الأطفال، واستغلالهم جنسيا أمر مبالغ فيه، ولا يجوز إثارته على النحو الذي اثير، لأن الله لا يحب الجهر بالسوء.” متناسيا المثل الضارب في عمقه والقائل: “من خارج الله الله ومن داخل يعلم الله”..

***

• أما اليوم وفي هذه الحرب التي طال أمدها، فالأطفال قد صاروا محاطب حرب لا تشبع، ويتم استخدامهم في هذه الحرب من قبل كل الأطراف المتحاربة، في استغلال منحط وبشع، لفقرهم، وفقر أسرهم، وقطع مصادر أرزاق ورواتب أكثر من مليون موظف، بتواطؤ ودعم مجلس الأمن، والبنك الدولي، وصندق النقد الدولي، والدول المستفيدة من بيع السلاح في هذه الحرب القذرة..

• ولا يقتصر ضحايا الحرب من الأطفال في اليمن بتلك الآلاف التي تسوقهم الأطراف المتحاربة إلى جبهات الحرب ومحارقها، بل ومن يقتلون من الأطفال، في مدارسهم ومنازلهم وأسواقهم وأعراسهم، ومخيمات النزوح والإيواء، وكل الأمكنة غير جبهات الحرب..

• وبعد أن كانت الحكومات اليمنية تتسول باسم الضحايا، صارت المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة تتسول بأطفال اليمن الضحايا، وترفض إدخال الدول التي تقتلهم في قائمة العار، لأن هذا يؤثر على الدعم الممنوح للأمم المتحدة، وهكذا تعري حرب اليمن اليوم بشاعات الدول الكبرى والمنظمات الدولية على مختلف توجهاتها في الألفية الثالثة.. إنها مرحلة الرأسمالية المتوحشة التي تحدث عنها ماركس قبل قرابة القرنين. 
يتبع..
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s