من أرشيف الذاكرة..  ضبط برلماني متسلل يتجسس على محتجزين

من أرشيف الذاكرة.. 
ضبط برلماني متسلل يتجسس على محتجزين

• لا تتورع السلطات المتعاقبة في اليمن على مختلف مسمياتها، وأسماء من يديرونها، أن تكيل لك التهم الكبيرة إن عارضتها، أو أردت تناول معايبها، أو حاولت الكشف عمّا ترتكبه من جرائم بحق الإنسان، أو بحق المجتمع والوطن.. ستجدها تقلب الحقائق رأسا على عقب، وتفتري عليك بجُرأة لم تكن تتبادر إلى ذهنك، وتسيء لك على نحو بالغ ومسف و وضيع..

• ستجدها تستخدم وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية الممولة من المال العام، في فبركاتها الإعلامية الدنيئة، وتلفق التهم الجسام، والترويج لأكاذيبها، والتشويه والإساءة والنيل البالغ من معارضيها، على نحو صادم، ومصادم للحقيقة والواقع.

• عندما قمنا بحملة “#أوقفوا_الحرب“، في سبتمبر 2018 أتهمتنا سلطة أنصار الله في صنعاء بالخيانة، والحرب الناعمة، والرياح الباردة، والعمالة لصالح أمريكا والصهيونية العالمية، فضلا عن اتهامنا باستلام أموال منها.. وسلطت ماكنتها الإعلامية بكل وسائلها وتعددها للنيل منّا، وترهيبنا، وتشويه سمعتنا، واستهدافنا بضخ اعلامي واسع وكثيف ومتعدد، فضلا عن المضايقات الأمنية، وتحفّز سلطات الأمن لاعتقالنا والتنكيل بنا.

• عندما خرجنا يوم 25 مايو 2017 للمطالبة برواتب الموظفين، والاحتجاج على سياسات التجويع، والمطالبة بإلغاء جرع المشتقات النفطية، من قبل سلطات الأمر الواقع في صنعاء وعدن وغيرها، قمعتنا سلطة صنعاء بشدة، وكالت لنا التهم الغلاظ، ومنها الخيانة والعمالة مع العدوان، واستلام أموال من السعودية، بل واختطفت قبل يومين من خروجنا الرفيق نائف المشرع، وقامت بتعذيبه بهدف انتزاع اعترافات أننا نستلم أموالا من السعودية.

• وفي عهد صالح عام 2007 أتهمتني مصلحة الهجرة والجوازات في تصريح رسمي تداولته وسائل الإعلام التابعة للسلطة، وعلى نطاق واسع، بأنني قمت بالتسلل من فوق أسوار مصلحة الهجرة والجوازات، والدخول إلى مؤسسة حكومية في يوم عطلة رسمية.. وهددت باستخدام حقها القانوني في مقاضاتي.

• نشرت وعممت وسائل إعلام السلطة يومها افتراءاتها وأكاذيبها، تحت عناوين شتى منها: “ضبط برلماني متسلل إلى مصلحة الجوازات يتجسس على محتجزين”، “عضو مجلس نواب يتسلل إلى مصلحة الهجرة في يوم إجازة منتحلا صفة صحفي”، “في ثاني محاولة له لتصوير مؤسسات حيوية” “ضبط شخص يقوم بتصوير من تم الإعداد لترحيلهم من الأجانب المخالفين لقانون الدخول والإقامة” وما إلى ذلك من العناوين..

• كانت تلك الأكاذيب والافتراءات التي روجت لها الآلة الإعلامية للسلطة، فماهي الحقيقة يا ترى؟! ماذا حدث في الواقع؟! ما هي الوقائع التي حدثت على وجه التحديد؟! سأشرح فيما يلي حقيقة ما حدث:

• في تمام الساعة الثانية عشرة تقريبا من ظهر يوم الخميس 28/6/2007م تلقيت بلاغا أن شخصا ارتيري الجنسية، لاجئ، اسمه ابراهام توفى في سجن الجوازات بعد أن امضى فيه سنة، وشخص آخر أوزباكستاني قضى سنتين في سجن الأمن السياسي، وأحيل إلى سجن الجوازات وأمضى فيه عاما ثالثا، وصحته في وضع حرج ويكاد أن يموت.

• كان مصدر البلاغ شخص اسمه سند سليمان يعمل في انظمة الكهرباء داخل المصلحة، وأظن أن العمل كان تابع بوجه ما لحميد الأحمر أو على علاقة مقاولة به.. الحقيقة لم ألتفت إلى الدوافع أو الاحتمالات.. فاهتمامي كان ينصب فقط نحو ما أخبرني به من وقائع، واطمأنت إلى صحتها، ولاسيما أن من بلّغني، أبدأ استعداده لمرافقتي، وأن يكون دليلي إلى أقبية وعنابر السجن.

• تمكنت من الدخول وعبور بوابتين ببطاقة عضوية مجلس النواب، ومعي الأخ سند سليمان.. وجدنا أنفسنا في الساحة القريبة من عنابر الاحتجاز في الجوار، والأقبية التي كانت تحت الأرض، ولا يظهر منها غير النوافذ العليا التي كانت تطل على أرضية تلك الساحة المتواجدين فيها، وتُوفر للسجناء قليل من الضوء والهواء.

• كنت أطل عليهم من النوافذ، أعرفهم باسمي وعضويتي النيابية فضلا عن عضويتي في لجنة الحريات وحقوق الانسان التابعة لمجلس النواب.. أدون ما استطعت من اسماءهم وشكاويهم وطلباتهم وأوجاعهم، وأصور حال السجن، وأحوال المساجين.. وجدت مئات السجناء من النساء والرجال الغرباء يقبعون فيها، وسط ظروف مأساوية لا يعلم بها الرأي ولا وسائل الإعلام..

• مئات المساجين والسجينات لا يعلم عنها مجلس النواب ولا لجنة الحريات وحقوق الإنسان شيئا.. قيمة السجين هناك لا تساوى أكثر من كيس قمامة.. يموت السجناء هناك عطش وجوع ومرض، بل أن مرضى الإيدز لا تقوم إدارة السجن أو مصلحة الجوازات بعزلهم، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار المرض بين الأصحاء.

• وجدت صومال وأحباش وارتيريين وسودانيين وأزباكستانيين وجنسيات أخرى يقضون سنوات طوال في انتظار ترحيلهم، ولم يتم ترحيلهم، ويعيشون في السجن ظروف مأسوية غاية في السوء.. يعانون من الفاقة والجوع، وتفتك بهم الأمراض، ويفتقدون للحد الأدنى من المعاملة الإنسانية من قبل القائمين على السجن، ومن قبل وزارة الداخلية المعنية بأولئك السجناء، وبأوضاعهم في السجن..

• بعد أن كدت أنتهي من إنجاز ما أتيت لأجله، رمقني مسؤول السجن الرائد الجعدبي ، من إحدى شرفات الدور الثالث في إحدى الأبنية، ومعه ثلاثة من أولاده الذين صاروا على ما يبدو يعملون معه في السجن.. صرخ متسائلا عمّا أفعل!! اخبرته مباشرة بأني عضو مجلس نواب وعضو لجنة الحقوق والحريات بالمجلس، غير أنهم هرعوا مهرولين وجزعين نحوي، هو وأولاده الثلاثة وآخرين، وكان جميعهم يرتدون الزي المدني..

• أبرزت لهم بطاقة عضويتي في مجلس النواب لتأكيد صفتي، غير أنهم كانوا مندفعين بهياج يشبه هياج الثيران، لا نفس من صبر ولا بقايا من ضمير، ولا استعداد للسماع.. انتزعوا مني البطاقة والكاميرا والتلفون والقلم والأوراق التي كانت بيدي.. عنّفوني، ونالت أيديهم من جسدي، وكذا الأخ سند الذي غيبوه عنّي.

• دفعوني إلى سجن فسيح ليس فيه غير سجين واحد أمضى في السجن أكثر من عشرين عام دون حكم أو محاكمة أو عقوبة محددة.. فهمت أنه من جنوب السودان.. كان ضخم الجثة وشعره مشدود إلى الخلف، ومربوط بفتيلة، ومسدول شعره إلى ظهره العريض.. ورغم غرائبية شكله بالنسبة لي، كان خلوقا وهادئا ومستأنسا بي، وسعيد بأن أسجن إلى جواره، وخصوصا عندما عرف أنني عضو في البرلمان.

• بقيت في السجن أكثر من ساعة، ولم يسمح لي بالاتصال بأسرتي أو بأي شخص أخر.. ولم يخرجنا من السجن إلا مستلم النوبة أحمد زيد، الذي كان معنا مخلقاً ومهذباً، واصطحبنا معه إلى غرفة الضابط المستلم لنقضي فيها ساعات أخرى.

• وفي غرفة الضابط المستلم جاء “شاويش” السجن، يطلب حضور المساعد أحمد زيد إلى العقيد أحمد يحي الجرادي، وبعد أن ذهب، دخل الحارس مسلحاً وهددنا بالقتل أنا وسند سليمان، ومكثنا قرابة الثلاث ساعات في الغرفة، ولم نغادر المصلحة إلا الساعة الخامسة عصراً بعد أن أعادوا لنا التليفون والبطاقة والكاميرا، ولكن بعد أن مسحوا تماما “فرمتوا” الذاكرة التابعة للكاميرا..

***
يتبع..

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s