من أرشيف الذاكرة.. ثقافة العيب والكرامة المزيفة

من أرشيف الذاكرة.. ثقافة العيب والكرامة المزيفة
• المجتمع المعاق بثقافة التخلف، يمارس فيه العيب سلطاته المستبدة، وطغيانه الكاسح على الوعي، بحيث يصير عبئا ثقيلا وشديد الوطأة على كاهل الأسرة أو الفرد المنتهك حقه، في مجتمع لازال هشا وخاويا ومتعصبا، وغير محصن بالوعي الحقوقي، وعلى نحو يمنع المُنتهك حقه من أن يقاضي المجرم، أو حتى الكشف عمّا تعرض له من جرائم التحرش، وانتهاك العرض، والاعتداء الجنسي التي ترتكبها بحقه السلطات، أو بعض عناصرها، أو النافذين أو المتنفذين في المجتمع، أو حتى من هم دونهم..

• ويجري الحفاظ على السمعة، بالكتمان حيال ارتكاب تلك الجرائم الواقعة عليهم، وكبت الألم والوجع، ولجم البوح، حفاظا على الكرامة المستلبة أو المغدورة، لصالح الكرامة المزيفة والقهر اللامحدود.. إنه العيب الذي يحمي المجرمين النافذين من المساءلة، ومن أن تطالهم يد العدالة والقانون، ويحول دون أن ينتزع حق أو إنصاف من أولئك المجرمين المدعومين بثقافة العيب، فيما الضحايا يظلون يمضغون جراحهم بصمت بحيث لا يسمعهم أحد، ويلويهم من الداخل الألم اللاسع كالنار، ويسحقهم القهر كل يوم حتى آخر العمر.

• في السجون ترتكب تحرشات جمة، و وقائع اغتصابات، و اعتداءات جنسية، وحتى حالات إخصاء، وابتزازات شتى يجري التكتم عليها من قبل الضحايا بسبب ثقافة العيب المجتمعية، فيما يظل المجرمون يسرحون ويمرحون في حلبة جرائمهم دون خوف أو زجر أو رادع، و يوغلون في ذلك النمط من الجرائم، ويكثرون منها، ويبحثون بصورة مستمرة عن ضحايا جدد، مطمئنين، ومحميين بكثير من الدفاعات، وأولها ثقافة العيب التي تحمي المجرمين.

• ويقاس على هذا وقائع أخرى تمس الشخصيات الاجتماعية التي ترى السكوت عن الإهانة وكتمانها، أهم من كشفها، لأن كشفها تنال وتنتقص من الهيبة والوقار والمكانة الاجتماعية، طالما لم يطّلع عليها أحد، أو أطلع عليها القليل الكاتمين للسر، والتي ربما تتحول إلى وسيلة ابتزاز من قبل ذلك الذي مارس الإهانة أو أطلع عليها..

• سمعت عن وزراء ورجال كبار في عهد سابق، أهينوا بأكبر من الإهانة، قولا وفعلا، ومنهم من تم حبسه في المرحاض، تعنيفا وتوبيخا وزجرا.. ويندرج ضمن أهداف تلك الممارسات أيضا التدجين وانتزاع الاستسلام الكامل، واختبارات الطاعة العمياء، واعطاء الولاء المطلق، والإخلاص اللامحدود لصالح النظام أو الرجل الأول فيه.

• وفي سياق مقارب يندرج تحت مفاهيم العيب، الحفاظ على المكانة الاجتماعية، وعدم الانتقاص منها، وبالتالي الصمت على الجور، والكتمان الثقيل، ولجم البوح.. أذكر واقعة حدثت عندما تم اغلاق الغرفة علينا، في الجناح التابع للأمن السياسي في السجن المركزي بذمار عام 2007 على الأرجح، في فعل يشبه الاحتجاز وتقييد الحرية لي ولعدد من أعضاء مجلس النواب ومنهم زميلي أحمد هادي الشقذه، حالما شاهدنا حراس السجن المصدومين بالمشهد، ونحن نوزع استمارات للمعتقلين، ونطلب منهم إملاءها.. وعندما أردت أن أرسل خبر واقعة الاحتجاز أو تقييد الحرية الذي تعرضنا له في خبر عاجل، أعترض زميلي الشقذة بشدة، ومنعني أن أفعل، لأنها تنتقص من مهابته، ومكانته أمام قبيلته ومجتمعه.

• وفي سياق مقارب أيضا، عيب على الرجال أن تُضرب .. عيب أن يتم الاعتداء على أجسادها.. حتى وإن كان أولئك الرجال قد ارتكبت بحقهم تلك الجرائم، في إطار ممارسة مهامهم و واجباتهم في الدفاع عن حقوقهم، أو الدفاع عن حرياتهم، أو عن حقوق وحريات الإنسان، أو حقوق الشعب، وكرامة الوطن.. عند ذلك يجب أن لا نلتفت لما سيقوله المجتمع الموعوك بالخواء والعيب.. المجتمع الذي يحمي المجرمين بمبرر العيب، وهو العيب كله..

• ثقافة العيب معيوبة بألف عيب.. العيب الواحد فيها يبتلع مجرة.. المريض بالعيب مسكون بآمادي من الفراغ والخواء والهشاشة.. العيب عاهة تستلب منّا الكرامة والعزة والإباء لصالح ما هو زائف وظالم، ولا يجني حصاده غير المجرمين المحميين بثقافة العيب وتخلف المجتمع ورجعيته.

• لا يسأل المثقل بثقافة العيب لماذا تُضرب! أي رسالة تحمل وأي مبدأ أثقل كاهلك.. لا يريد أن يعرف ماهي القضية التي ضربت من أجلها، أو تم الاعتداء عليك! العيب معيوب بكلالة النظر، وبؤس الوعي، وأزمة الثقافة.. لا يرى أكثر من أرنبة أنفه.. أحمق من أحمق، وأبتر من ذيل..

يتبع..

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s