من أرشيف الذاكرة الحقوق والحريات بين الماضي والحاضر

من أرشيف الذاكرة
الحقوق والحريات بين الماضي والحاضر
• في الوقت الذي نرفض اعطاء صك براءة للماضي، بل ونحمّله جزء من مسؤولية ما يحدث، إلا أننا لا نتردد في وصف الواقع الذي نعيشه اليوم بالجائحة أو الكارثة الحقوقية، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى كثيف وعميق..
وتسليط الضوء على هذا وذاك، إنما هو محاولة لفهم واستيعاب ما حدث ويحدث، وذلك للاتعاظ، وعدم التكرار مستقبلا، مع التأكيد على أهمية ملاحقة المجرمين، وعدم إفلاتهم من العقاب، أو هذا ما نريده، أو نحلم بتحقيقه في المستقبل المنظور..

• في الماضي استحدثوا وزارة حقوق الإنسان، ليس لتصون وتحمي الحقوق والحريات، بل لتحتال عليها، وتعمد إلى تسيسها، وتتعامل معها بانتقائية، وتمارس انحيازها لصالح سلطة النظام الحاكم، فضلا عن تزييف وعي الرأي العام، وإيهامه أن هناك وزارة تساند وتدافع عن الحقوق والحريات..

• أما اليوم فصارت لدينا وزارتين ملعونتين، لا علاقة لهما بالإنسان وحقوقه، ولا تمتلكان أي تأثير إيجابي على الجهات التي تمارس الانتهاكات، بل هما مجرد دعاية ناعمة، وضعت للمخادعة في بوابات ومداخل مسالخ حقوق الإنسان، وزائد على هذا تمارسان تسيس القضايا الحقوقية إلى أبعد مدى، والدفاع بصورة ناعمة عن الانتهاكات والفظاعات والبشاعات التي ترتكبها السلطات، والتغطية عنها، والتواطؤ مع مرتكبيها، والزعم الكاذب أنها تفعل شيئا لصالح الإنسان..

• البرلمان في الماضي أصدر تشريعات بائسة كبؤسه، “تصيب ثقب الإبرة وتخطي الجمل”.. قوانين تشبه بيوت العنكبوت التي قال عنها “جوناثان سويفت” بإمكانها الإمساك بالذباب الصغير، لكنها تسمح للدبابير بالمرور.. فيما لم يكتفِ الدكتور مارشن في تقرير منظمة “ايفس”، بتشبيه تشريعاتنا بالجبنة السويسرية المليئة بالثقوب، بل أضاف قائلا: “للأسف أن ما رأيته في اليمن عبارة عن ثقوب، وليس جبنة مثقوبة”.

• أما اليوم فقد تعطل البرلمان البائس، وتم تعطيل العمل بتلك القوانين المثقوبة، دون أن يمنع هذا من العمل بأكثر القوانين سوء وردائة، وعلى رأسها تلك التي تحصّن كبار المنتهكين للحريات وحقوق الإنسان، وكبار الفاسدين، من شاغلي الوظائف العليا، للإفلات من المساءلة والملاحقة والعقاب..

• اليوم وبصورة صارخة صارت النصوص التي تحمي الحقوق والحريات تغوص ببرك الدم والجريمة، وصارت الانتهاكات أكثر بشاعة وفظاعة، وأكثر من هذا إن سلطات الأمر الواقع في صنعاء وعدن وغيرها صارت تصدر وتنفذ قوانينها الخاصة، وتعمل على إنفاذها في المناطق الواقعة تحت سلطاتها وسيطرتها.. هكذا تبدو الأمور اليوم، وأكثر سوء من أي وقت مضى..

• شكّل النظام السابق محاكم جزائية متخصصة، هي في الأصل محاكم استثنائية أو محاكم تنتمي في جوهرها للقضاء الاستثنائي، وذلك لمحاكمة خصومه السياسيين، ولم يلغها النظام الذي تلاه، بل تغاضى عنها، وسمح لها أن تستمر، أما اليوم فصارت سلطات الأمر الواقع تستخدم تلك المحاكم أو القضاء الاستثنائي في خدمة أجندتها السياسية، وقمع خصومها السياسيين، بما فيهم أفراد النظام السابق المنشئ لها، حتى وصل بها الأمر اليوم إلى اختزال إجراءات المحاكمة في جلسة واحدة، بل واصدار أحكام الإعدام في نفس الجلسة، بعيدا عن القانون، وإجراءات المحاكمة العادلة، وتعمُّدها إهدار حقوق المتهم جملة وتفصيلا..

• في الماضي كان أعداء الحرية يعتقلون الأحرار، وحتى بعض الأبرياء على قاعدة المتهم مذنب حتى يثبت برأته، وكان يتم التعذيب في السجون، وكانت تتم تصفيات وقتل البعض خارج القانون، ولكن ليس على نطاق واسع، وتتم في الغالب بتكتم شديد، ووفق اختلاق قصص وسيناريوهات معدة سلفا..

• أما اليوم فأعداء الحرية وفي ظل سلطات الأمر الواقع في شتى مناطق اليمن، يستسهلون القتل على نحو يفوق التصوّر والخيال، ويجري استرخاص الدماء على نحو غير مسبوق، أو كما وصفهم وليم رالف إنغ “لا يجادلون بل يصرخون ويطلقون النار” أما فيما يخص الاعتقالات والتعذيب والانتهاكات الأخرى فحدّث ولا حرج، وهي من الكثرة والزحام لم يعد لها عد ولا حصر..

• كانت لدينا ائتلاف منظمات المجتمع المدني لمناصرة الحقوق والحريات.. كانت لدينا “هود” وصحفيات بلا قيود، و”الشقائق” والمرصد اليمني، ومنظمة التغيير، و”المنظمة اليمنية” و”المدرسة الديمقراطية” و”المنتدى الاجتماعي الديمقراطي” و”منتدى التنمية السياسية”.. كان لدينا أيضا نقابة الأطباء والصيادلة، ونقابة المعلمين، ونقابة المهن التعليمية واتحاد عمال الجمهورية وغيرها.. ورغم المآخذ الكثيرة على تلك المنظمات والنقابات، ورغم الواقع السيء التي كانت تعمل في بئته، إلا أن اليوم لم يعد أو يبقى هنالك شيء.. إنها المأساة العريضة في واقع بات أكثر مأساوية وكارثية..

• أين المنظمات الحقوقية والاتحادات الدولية ذات الباع العريض والتاريخ العريق وعلى رأسها منظمة العفو الدولية، و”هيومن رايتس ووتش” ومنظمة مساندي الخط الأمامي، واتحاد البرلمان الدولي، والاتحاد الدولي للصحفيين، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وغيرها..؟!!

• كانت هذه المنظمات والاتحادات تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما يتعرض فرد للتعذيب أو لأبسط انتهاك حقوقي، واليوم شعب يباد وانتهاكات مريعة تجتاحه منذ أربع سنوات طوال، مذابح ومقابر جماعية، وانتهاكات فظيعة بالطول والعرض، ترتكب كل يوم بحق شعبنا، ولا تفعل شيء يستحق الذكر، وكأن تلك المنظمات والاتحادات والمكاتب، مجرد مساحيق تجميل للنظام الرأسمالي العالمي المتوحش والبشع، ولا يعدو دورها غير إعداد ملفات حقوقية، يتم توظيفها واستخدامها في الحاضر أو المستقبل لصالح الأجندات السياسية للدول، وللنظام الرأسمال العالمي، ووفق أهدافه، وبما يخدم مصالحه لا سواها.

***
يتبع

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s