من أرشيف الذاكرة .. الصحافي عبد الله عبد الإله .. أنعيه حيا خيرا من ألف مرثية

من أرشيف الذاكرة .. الصحافي عبد الله عبد الإله .. أنعيه حيا خيرا من ألف مرثية

– الأستاذ عبد الله عبد الإله بدأ عمله الصحافي من أول درجة في السلم الوظيفي، و ترقّى درجة، درجة، ومن دون دعم قبيلة أو مركز سلطة أو نفوذ .. بدأ مشوار العمل الصحفي باكرا في صحيفة اليقظة العدنية، و فتاة الجزيرة، و المصير، ثم عامل مطبعي يصف الحروف الرصاصية في صحيفة 14 أكتوبر، يعمل ليلا حتى الصباح، و يذهب نهارا إلى المدرسة .. زار سقطرى في أول رحلة صحافية في عام 1974، و سماها عذراء اليمن، و كتب عنها 28 حلقة في صحيفة 14 اكتوبر .. اليوم في حمى الحرب و ما بعدها سقطرى مهددة بالفقدان و الضياع و الاحتلال.

– تحمّل مسؤولية نائب الدائرة الاعلامية في المكتب الخاص لرئيس الوزراء على ناصر محمد، ثم انتقل إلى الرئاسة كمدير عام للدائرة الاعلامية و سكرتير صحفي للرئيس على ناصر .. اسهم في تحقيق الوحدة .. صاغ بيانات القمم .. و عين مديرا للإدارة السياسية و العلاقات الخارجية بمكتب الرئاسة بصنعاء بعد الوحدة، ثم مستشارا لا يستشار، و عضو في لجنة الدراسات و البحوث الاستراتيجية لينتهي به المطاف متقاعدا في العام 2007

– عاش من العام 1994 منقوص الحقوق، و الدرجة، و الراتب، و المستحق، لأنه رفض عرضا مهينا .. رفض أن يكتب مثل فلان .. رفض مقايضة الضباع، و رضي أن يقضي بقية عمره يعاني و يبحث عن ثمن العلاج .. إنها محنة اليمن و طغيان حكامها الضباع..

– عرفته عن قرب .. كان إذا أمسكت أنامله القلم، تدفقت الأفكار، و شق النهر مجراه إلى منتهاه .. محترف في تحرير الخبر، و كتابة المقالة و الخاطرة، و لديه حس صحفي مميز، و قدرة على التقاط الصور و المشاهد و الأحداث، و التعامل معها بمشاعر و نبل إنسان، و بحس صحفي خبير و محترف .. إنه أحد الجنود المجهولين، الذين ساعدوني و ساندوني، و تعلمت منه أبجديات العمل الصحفي، ابتداء من الصورة و اللقطة و الخبر، مرورا بالحوار و الاستطلاع، و انتهاء بالتحقيق الصحفي..

– تعلّمت من محمد عبد الرب ناجي كيف أكون عملي و منجز، فيما تعلمت من عبد الله عبد الإله كيف أكون صحفي و إنسان في آن .. محمد عبد الرب ناجي رجل عملي و تنفيذي، لا يحب التنظير و السياسة، فيما عبد الله عبد الإله بحكم عمله الصحفي و موقعه، كان يتعذر أن يتنصل منها، و كفاه أنه مارسها بعفة و أخلاق، و ناء بنفسه عن الدماء و الصراعات المسلحة التي تحولت إلى ثقوب سوداء التهمت الوطن و خيرة رجال و كوادر و شباب اليمن..

– الذين يبنون حياتهم طوبة طوبه جديرين بالاحترام و التقدير .. و محمد عبد الرب ناجي هو الآخر ترقى من موظف صغير في البريد، حتى وصل إلى مدير عام القوى البشرية في شركة “تليمن”.. اثنينهما و آخرين سآتي على ذكر بعضهم، و أتوقف عند بعضهم في مواضع و محطات قادمة، جميعهم ساعدوني و ساندوني لأنال استحقاق، ما كنت أصل إليه دونهم..

– هؤلاء و غيرهم بنو حياتهم طوبة على طوبة، و حجر على حجر، و تدرّجوا في السلك الوظيفي درجة درجة .. لا حرق للمراحل، و لا دعوة الوالدين، و لا مركز نفوذ داعم، و لا إنزال مظلي من السماء، كما يحدث اليوم حيال الترقيات التي تم الاستيلاء عليها كغنيمة حرب، و المواقع الإدارية و الوظيفية، التي اغتصبها و استباحها الفساد المدعوم بالغلبة، و العصبيات على مختلف أنواعها، و هدمت بتلك الاستباحة، مبدأ المواطنة، و جرّفت إلى الجحيم معها معايير و شروط الوظيفة العامة و معها تجرّف الوطن..

– الحقيقة لم أفِ مع ناجي و عبد الإله، و أنا الوفي أو هكذا أدّعي .. ربما السبب “العين بصيرة و اليد قصيرة”، و أسباب أخرى كثيرة، منها التيه في الزحام، و الغرق في الانشغال، و الشرود الطويل الذي يتملكني، و طبع النسيان غير الجاحد .. كم أشعر إن مثلي بحاجة إلى مدير علاقات أو مراسيم، أو حتى شاويش حبس، يأمرني بما يجب و ينبغي أن أفعله في هذا المقام، بل و يضع القيد على اليدين، و يوصلني إليهما مصحوبا كل أسبوع..

– حاولت أن أسدي لمحمد عبد الرب ناجي في عهد الأنصار خدمة في حقوق تقاعده المغتصبة هو و زملائه، و المدعومة بأحكام نهائية، واجبة النفاذ، و لكن الأنصار أكثر من خيبوا الآمال .. من السيء أن يرحل المرء مظلوما دون عدل أو إنصاف، و نفشل في مساعدته، و نعجز عن أن نسدي له يد عون أو رد جميل و عرفان..

– صديقي عبد الله يعاني من مرض القلب، منذ سنوات طوال .. طلب مني يوما أن أنعيه، و هو على قيد الحياة، فقلت له: أنت مت، و أنا أرثيك، و أجعل الحجارة تبكي عليك، فقهقهنا حتى ضحكت من ضحكنا الجدران و أحجارها..

– و اليوم لازال قلبه المتعب يخفق و يدق بعد 18 عام من مغالبة المرض، بعد أن كنت أظنه لن يطول به المقام عام أو اثنين، أطال الله عمره و نبله .. الإنسان صاحب القلب الكبير يستحق أن يعيش أكثر من مائة عام .. و ها أنا أنعيه اليوم و هو حيا، و نعيه حيا خير من الاف المراثي. أنعيه حيا و أتمنى له دوام الصحة و العافية.

– اختلفت يوما معه في السياسة ـ قبح الله وجهها ـ حتى أنني ألغيت صداقته في “الفيس بوك” ليس جحودا أو نكرانا للجميل، و لكن حتى لا أوجع قلبه المريض و الموجوع، و زاد الله يبتليه بما هو أخبث .. إنه سرطان الدم .. و كما غالب في أمسه الضباع، يغالب اليوم الوجع و المرض و الجحود و النكران..

– بقي الود و الاحترام بيننا ما بقينا، و صار خلافنا خلاف الكبار، و الأيام نتعلم منها و نستزيد، و كل منا محكوم بضمير هو دليله و البوصلة، و سنبقى رفقاء و محبين إلى آخر العمر، حتى و إن كان وصالنا عاثر و اللقاء قليل..

– عبد الله عبد الإله كيف أنساه .. كيف أنسى دمعة الفرح التي برقت و طفرت من عينيه و علق بعضها على رمشه، و قلبه النبيل صرة فرح كاد يطير، و ابتسامة محب عصية على النسيان، و احتضان حميمي نادر لا تجرؤا على نسيانه الأيام و الوجدان و الذاكرة .. بارك فوزي و احتفى به أكثر منّي .. كيف أنسى زوجته الجندي المجهول في تحقيق ما أروم .. كيف أنسى من لازمني في المشفى بعد أن استهدف الجناة رأسي المتصلب بالحق و العناد .. كيف أنساه و هو من أعطاني يوما فسحة صوفية مع الملكوت لأسجل رقما قياسيا في حياتي المهدرة .. يا إلهي كم أنت عظيم..

***

رابط المقال هنا

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s