من أرشيف الذاكرة .. قصتي مع الأشباح (2)

من أرشيف الذاكرة .. قصتي مع الأشباح (2)

– كانت النقاط الأمنية التي تم نشرها في الثمانينات من القرن المنصرم في مناطقنا النائية، ترغمنا على تجاوزها من خلال الالتفاف عليها، و سلك طرق صعبة، و ربما وعرة في بعض الأحيان؛ و ذلك لتجنب الاحتكاك بتلك النقاط، أو الاصطدام بها..

– في إحدى المرات سلكت طريق التفافي في جبل محاذي لـ”سوق الخميس” و كانت الساعة بحدود الواحدة بعد منتصف الليل .. القمر يتوارى خلف الجبال العالية، و ضوؤه الشاحب يتلاشى نحو الزوال، و الظلمة تقتفي أثره و تلاشيه .. شاهدت كتلة بيضاء تتحرك .. انزويت في مكان لأرقب الأمر بحذر..

– أقترب الشبح الأبيض منّي أكثر دون أن يشعر بوجودي .. كان يلبس قميصا أبيضا، و معمما، و حازما عمامته و صدغيه بقطعة قماش أبيض .. ربما بدا لي في هيئة أشبه بولي من أولياء الله، أو رجل من عباده الصالحين الذين يظهرون نادرا على بعض أبناء البشر، و يجلبون لهم الحظوظ والسعادة..

– داهمتني الأسئلة مع نفسي: ربما يكون الخضر..!! و لكن لماذا الخضر يترك الطريق السالكة، و يجلب لنفسه العناء و المشقّة، و يتسلق الوعورة و الجدران .. أنا أفعل ما أفعله، و أعبر طريق غير سالكة، لأنني أتحاشى الاصطدام بنقطة الحراسة، و لكن هو لماذا يفعل هذا طالما هو الخضر ولي الله..؟!

– نسمة عطر فواحة تسللت إلى خيشومي .. إنه يقترب و يتسلق الجدار الذي يؤدي إلى المكان الذي أنا كامنا فيه .. لم يعد هناك متسعا لأتجنب طريقه، فيما هو لازال لا يشعر بوجودي .. لم اسمع أن ولينا الخضر يتعطر بعد منتصف الليل..؟!!

– هل هو جني..؟! الجن ربما يتسلقون الجدران، و لكن لا أظنهم يلبسون ملابس التقى و الورع، و لا أظنهم يتعطرون..؟! و أما لو كان الخضر أو رجل تقي صالح، لعلم أن في طريقه رجل، يده على الزناد، و سبابته على ريشة اطلاق الرصاص..؟! لم أسمع برجال التقى و الورع يتسلقون الجدران في هزيع الليل..؟!! أشتد عجبي و ارتيابي و شكوكي في الأمر من أوله إلى آخره..

– وجدت نفسي بمواجهته تماما، لا يفصل بيننا إلا في حدود المترين .. لا محالة سيصطدم بي قبل أن يبدأ بتسلق الجدار المسنود ظهري إليه..

– الاصطدام وشيك .. انتفضت من مكمني مباغته، و هجمت عليه واضعا فوهة بندقيتي الآلية بين جنبيه، و أنا أباشره بالسؤال: من..؟! من معي..؟! كانت المفاجئة له صادمة و صاعقة.. كانت أصبعي تكاد تضغط على مقص اطلاق النار، و أي حركة أو مقاومة منه حتما ستنتهي بقتيل .. فيما كانت ردة فعله، مملؤة بالجزع و الارتباك و هو يجيب: عمّك “فلان..” عمّك “فلان..” عمّك “فلان..”.. أحسست أن قلبه يكاد يقفز من قفصه الصدري، و الخوف يجتاحه جسده، و الهلع يعتري أوصاله..

– أنزحت عنه و تركته يمضي، و تمنيت أن يكون هذا العاشق أغلب الظن قد أحتال علي و قال لي “أنا وليكم الخضر” لو فعلها و أحتال و برر و أزال حيرتي، لا أدري ما كنت سأنتهي إليه .. لو قالها و أستطاع تبديد شكوكي و الإجابة على أسئلتي لربما كانت القصة أكثر تشويقا مما هي عليه الآن .. و لو تطفلت عليه، و كشف لي عن سره، و باح لي عن تفاصيل عشقه و حبيبته، لكانت قصته اليوم مع قصتي أشوق و أمتع مما هي عليه الآن..

يتبع..

***

رابط المقال هنا

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s