من أرشيف الذاكرة يوم انحيازي لمحوى “الأخدام”

من أرشيف الذاكرة
يوم انحيازي لمحوى “الأخدام”
• هل فكرت أن تتزوج مهمشة؟! أنا فكرت في أيام شبابي أن أفعلها، ولم أترك الأمر لوجود مانع عنصري، بل لأن العلاقة لم تتنامَ ولم تتعمق، ولأسباب أخرى أيضا ليست لها صلة بأي بُعد أو عُقد أو عاهات عنصرية، بل أجد نفسي في كل قضايا المهمشين، منحازا لحقوقهم المستلبة، وقضاياهم المغيبة والعادلة، بل وأود تغيير كل ما هو عنصري وتمييزي في المجتمع، وعيا وممارسة، إن كان لدي سلطة حقيقية، ومركز صنع قرار نافذ على المجتمع.

• رجعية الثقافة، وموروث الفكر، وانتشار الجهل، وتخلُّف الوعي، وغياب التغيير نحو المستقبل، سيجعلك أسيرا لتلك العوامل المحبطة والثقيلة، وستجد نفسك معاقاً على الصعيد الإنساني، ومرتهنا لوقع يمارس طغيانه عليك، ولن تنفك من طوع يده وبنانه، في عبودية طويلة الأمد والأجل، إن لم تناهضه وتقاومه وتغادر سلبيتك نحوه..

• تنشئتك وبناء شخصيتك على القبول بالتمييز العنصري حيال المهمشين، تنال من فطرتك، وتستبيح سويتك، وتشوه وعيك، وتخرب وجدانك، وتجعل نزعتك العنصرية، لا تقتصر ولا تنحصر على شريحة المهمشين، بل ستجد أن وعيك المريض يتعامل مع كل محيطك بهذا النفس الإقصائي والعنصري الباذخ..

• من يمارس التمييز والعنصرية على المهمشين، سيمارسها على غيرهم تحت أي غطاء أو مسمى كان دينيا أو ثقافيا أو أيديولوجيا أو اجتماعيا.. سيمارسها ضد المواطنين اليهود، وسيمارسها ضد الأقليات الأخرى في المجتمع على مختلف مسمياتها، وسيمارسها أيضا ضد المرأة التي تزيد كتلتها السكانية عن نصف المجتمع، وربما تطول تلك الممارسات الإقصائية والتمييزية أيضا ما هو جهوي أو مناطقي أو طائفي أو حتى سياسي.. كل هذا يجعل المجتمع الذي يفترض أن يكون مُعافا، مُفخخا، ومزروعا بالانقسامات، وسهل التفكيك والاختراق والاستخدام من قبل القوى والأطماع الخارجية، كما حدث ويحدث اليوم في بلادنا، وبصورة فجة وصارخة وشديدة الفضاضة..

• يعتبر المهمشين في مجتمعنا أكثر من يعانون من التمييز والعنصرية والدونية والعزلة والانغلاق والاضطهاد ليس من قبل السلطات على تعاقبها واختلافها، ولكن أيضا من قبل المجتمع، ولمئات السنين إن لم يكن أكثر..

• أغلب مساكن المهمشين تجدونها في اطراف المدن مصنوعة من الصفيح و الزنك والقماش والكراتين أو نحوه، تسندها أحيانا بعض الجدران الغير مكتملة من الحجارة أو البردين أو غيره.. غرف وأمكنة على الأرض المكشوفة تكتظ وتزدحم بها أعدادهم الكبيرة، وتسمى تجمعاتهم السكانية بالمحاوي، والتي تعني لغويا موضع الكلاب، وفي مناطق أخرى تعني اصطلاحا تجمعات مساكن العبيد.

• ثم تتمدد المدن وتكبر ليجد المهمشون أنفسهم أمام زحف العمران منزاحين وفي مواجهة أرباب المال وأصحاب المصالح والنفوذ والسلطان الذين يطردونهم بالقوة مرة أخرى إلى أطراف المدن التي توسعت، أو يتفقون معهم على المغادرة طوعا مقابل مراضاة محدودة يُرغمون عليها، أو يتعرضون لأفعال جنائية منظمة من قبل نافذين في السلطة تستهدف مساكنهم بالحريق.. وقد وقفت على إحداها، وإليكم التفاصيل التي نشرتها في صحيفة المستقلة في عددها “صفر” الصادر في 15 إبريل 2005:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المكان: (عصر- صنعاء – محوى الأخدام)
الزمان : الساعة العاشرة صباح يوم 29/3/2005م

• بينما كنت متجهاً إلى إدارة التغذية المدرسية في (عَصِر) شاهدت سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد إلى السماء حتى بدت لممعن النظر أشبه برؤوس الشياطين.. وبعد قليل من الوقت اكتشفت أن الشياطين أحن وأرأف ، وأن بعض بني البشر أكثر وبالاً واشد قبحاً من رؤوس الشياطين..

• سألنا أحد الحاضرين عن الحريق الذي نشاهده وعمَّا يحدث، فأجاب: محوى الأخدام يحترق .. وأضاف آخر: إن هذا الحريق هو الثاني الذي يستهدف (محوى الاخدام) في أقل من ثمانية أشهر، وأفاد ثالث أنه الحريق الرابع الذي يستهدف نفس المكان.

• شهدنا النار مثل قُبح مضرميها تفتح أفواهها كأبواب جهنم لتلتهم بشراهة مجنونة ممتلكات البسطاء وأحلامهم البسيطة، بينما نجدها لا تجرؤ أن تنال بحجم قبضة يد واحدة من باطل يزهق الحق، ويصب سعير الجوع والفاقة في الناس الذين يفترشون الحصير ويسكنون الصفيح ويعيشون على هامش الحياة..

• وجدت كثيراً من حماة الوطن وأطقم الشرطة والنجدة وخدام الشعب الأشاوس قد هرعوا إلى مسرح الجريمة بعد أن صارت بيوت الصفيح أطلالاً وأثراً ينتحب بعد عين..

• أخرجت الكاميرا لتكون شاهد عيان موثق على جريمة مكرورة للمرة الرابعة وفي نفس المكان يفترس فيها الديناصورات حقوق شريحة مهمشة تسميها عنصريتنا الفجة بالأخدام حتى وهي تمارس التضرع وطقوس العبادة..

• باشرت بتصوير مشهد الحريق وأثار الجريمة التي لا يأبه لها كثير من العقلاء والقبائل طالما كان من يدفع الثمن هم (الأخدام) في مجتمع لا زال أكثره يدعي الإسلام ويتقوّل المساواة في كل فينة وثانية وهي في الحقيقة أو كما أراها (مساواة) تشبه إلى حد كبير أسنان التماسيح.

• خدام الشعب يهرعون نحوي ملسوعين و صارخين :ممنوع التصوير.. والبعض رأى الكاميرا شيئاً يستحق الفيد، غير أنني تشبثت بها كما يتشبث محق بحقه وأراد أن يموت من دونه شهيداً..

• حاولت أن أفهمهم أني مواطن ومن حقي التصوير فضلاً عن أنني عضو مجلس نواب، ولدي حصانة برلمانية وصاحب صحيفة، وأبرزت بطائقي المعرًفة بشخصيتي غير أن عقل “الجندرمة” أبى أن يفهم حقي، ولا أدري كيف يمكن لمثل هذا العقل أن يفهم حق المواطن، ويتعاطى مع الحقوق، ويخدم هذا الشعب المغلوب، وكيف يمكنه فضلاً عن ذلك أن يفكر بحماية حقوق الاخدام .. إنها بلية من بلايانا التي تضحك الحمير، وشر البلايا في اليمن تلك التي تضحك الحمير..

• دفعوني إلى فوق الطقم وحاولت التواصل بالتليفون مع نائب رئيس مجلس النواب الفندم الشيخ يحيى الراعي لأخبره بما حدث، وتفاجأت حين رأيت أن سماعهم لهذا الاسم نزل عليهم كالصاعقة ارتعدت فرائصهم، واضطربت قلوبهم ، وخارت عنتريتهم كما تخور عنترية جندرما الجيوش العربية أمام الغير..

• لقد اكتشفت في الحال أن اسم الفندم يحيى الراعي أفضل لنائب البرلمان في يمن الحكمة والإيمان من ثلاثمائة بطاقة، وأهيَب من ثلاثمائة حصانة برلمانية، وأقوى من ثلاثمائة قانون نافذ .. إنها حقيقة مجربة في يمن الإيمان والحكمة..

• ولكن ينتهي ما حدث ويبقى السؤال المُلًح على الأذهان لماذا خدام الشعب يمنعون تصوير حريق؟!! لا أعرف وإن عرف الأغبياء لماذا تمنع الشرطة المناط بها امن البلاد والعباد في وطني المحزون تصوير مشهد مسرح جريمة تطول وتعبث بحقوق وأحلام بعض البسطاء من الناس حتى وإن كانوا ينتمون إلى شريحة الاخدام؟!!! إنه سؤال بدا لي أكبر من حجم الجريمة ، بل بحجم مأساة الوطن وأثقل من جهل شعبه.. والجواب ربما يعرفه وزير الداخلية..

• وفي مسك الختام لا أنسى أن أعرب عن شكري وامتناني لأحد أفراد الشرطة الذي أنعش لدي أملاُ بأنه ما يزال للخير وجود في هذا الوطن المقموع، وأجل كل مشاعر المواطنين التي أحسست بها، لحظة كنت أمارس بها وجودي أمام “جندرمة” أرادت أن تصادره أو تلغيه..

***
يتبع..

الصور ألتقطتها يوم الحريق وكنت شاهدا عليه

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s