من أرشيف الذاكرة أسئلة في فلسفة الجنون

من أرشيف الذاكرة
أسئلة في فلسفة الجنون

• الجنون ليس لونا ولا نوعا واحدا، ولا على درجة ومستوى واحد.. ربما كل منّا فيه قدر منه، بهذه الدرجة أو تلك.. بل هناك من يزعم إن جميعنا مصابين بدرجة أو أخرى بانفصام الشخصية بالذات، ويسموه بجنون هذا العصر.. وإذا كان يوجد في كل منا نسبة من الجنون، فمن الصواب أيضا أن نقول في كل مجنون نسبة من العقل، قد تزيد، وقد تقل، بهذا المستوى أو ذاك..

• الجنون أو بعضه يتخفّى في دواخلنا، وينام في أعماقنا وفي ردهات اللاوعي، ولكن ربما في بعض الأحيان يُستصرخ وجوده، ويعلن عن نفسه جهارا، ويجتاح بعض منّا، ويستولي علينا، ويتملكنا، ويرفض الخمود أو المغادرة..

• كثير من “المجانين” الذين صادفتهم، كانوا مرهفين، وحساسين جدا، وتعرضوا لفشل ذريع زلزلهم من الداخل، أو تعرضوا لخيبات أمل كبيرة، أو صدمات عنيفة، لم تستطع نفوسهم المرهفة تحمّلها، حيث فاقت تلك الصدمات بأسهم وقدرتهم على التحمّل، فخارت قواهم، وطارت عقولهم، أما لتحلق عاليا، أو لتتحوصل وتنكفي على ذواتها ودواخلها.. وفي نفس الاتجاه تنقل لنا غادة السمان في كتابها “السباحة في بحيرة الشيطان” نصا للدكتور “لينغ” في كتابه” عصفور الجنة ومبادئ التجربة” ورد فيه إن العباقرة، والمناضلين السياسيين، والمثاليين، والمؤمنين والأذكياء، والمرهفين هم الأكثر تعرضاً للصحو الكلي للجنون.

• ولكن هل يشعر المجنون باللامبالاة أم يشعر بالسعادة أم أنه لا يشعر بشيء؟! ألتقيت في مطلع عام 2003 بالأخ عبده محمد عبد الله العريقي، والذي شفيا من جنونه، بعد أن قضى ما يقارب 12 عاما بين ردهات الجنون، يهيم على وجهه، ويأكل من براميل القمامة، ويعيش دون مسكن أو ملبس أو غطاء يقيه من برد شتاء قارس أو لفحه هجير صيف حار ـ مع تخلل تلك الفترة بعض الانقطاعات بالصحو أو العلاج في المصحات ـ وهذه الفترة إجمالا تبدو من وجهة نظرنا تجربه ثقيلة ومضنية مع الجنون، فيما هي من وجهة نظره بدت أفضل من تلك التي جاءت بعد شفائه، حيث بدأ مصدوما بالواقع الجديد، وشكى منه، وأعرب عن ندمه لأنه شفا من جنونه، وأعلن عن رغبته الشديدة للعودة إلى حالة الجنون؛ حيث يقول: “أشتي أرجع اجنن مره ثانية ماقدرتوش” ولكن لاحقا هناك من أخبرنا أنه أستطاع بعد سنين أن يقتحم عرين الجنون مرة أخرى.

• وفي هذا السياق، حاولت أتخيل شعور المجنون، الذي استغرقه الجنون، حيال محيطه، وما يجرى فيه.. ولكن يبدو إن الأمر أعقد وأصعب مما يجري تخيله!! كيف يستطيع المجنون المُستغرق بالجنون أن يتحرر من كل الضوابط الاجتماعية الموجودة لدى أفراد المجتمع.. أريد أن أتخيل هذا الحال فأجده مستصعبا على أي عاقل محكوم بتلك الضوابط الثقيلة، والصارمة في نفس الوقت.

• هل الجنون خلل في الدماغ يسلب منا ملكة الإدراك، أو يلغي بعض وظائف نعمة العقل، أم هو تجاوز شعرة العبقرية، أو الخيط الذي وصفه جبران خليل جبران بأرفع من نسيج العنكبوت، وهو الفاصل بين العبقرية والجنون؟!

• ما حاجتنا إلى أن نسأل كما سأل الفيلسوف سقراط نفسه: هل أنا موجود؟! فيجيب: أنا أتحدث إذاً أنا موجود.. ويسأل الفيلسوف الفرنسي ديكارت نفسه بنفس السؤال ويجيب: أنا أفكر إذاً أنا موجود؟! أما أينشتاين فيقول: السؤال الضبابي الذي يدفعني للجنون أحيانا: هل أنا المجنون أم الآخرين؟! أما “إدغار ألان باو” فيقول: سمّاني الناس مجنونا، غير أن العلم لم يكشف لنا بعد فيما إذا كان الجنون ذروة الذكاء أم لا.

• “نيتشه” الفيلسوف الألماني الذي رفض الأديان ودعا إلى تبني قيم أخلاقية جديدة عانى من الجنون، وقضى عدة سنوات في مصحة عقلية، وقيل مات فيها.. وعالم الاقتصاد الأمريكي البروفيسور “جون ناش” الحاصل على جائز نوبل كان مصاباً بمرض الفصام، وكان يعتقد طوال سنين أن لديه شريكاً في غرفته.. والرسام “فان جوخ” التي صارت تباع لوحاته بأغلى المزادات قطع أذنه اليمنى في إحدى نوباته العقلية.. والشاعر الألماني الشهير “هولدرلن” قضى في حدود الـ30 عاما يعاني من الجنون، وسقراط ونوبل و ديستوفيسكي عانوا من نوبات الصرع في حياتهم..

• وتنقل لنا غادة السمان في كتابها الآنف الذكر بعض ما أورده الدكتور “بيش” بشأن دراسة الحياة الشخصية لكثير من العظماء المعاصرين، والتي تثبت بأن ليس بينهم من ليس عصابيا، وأن معاصري عظماء التاريخ كانوا يعتبرونهم خلال حياتهم غريبي الأطوار وشاذين، وأكثرهم مات في المصحة العقلية أو منتحرا أو مسجونا.. ويشير إلى أن العصابية علامة من علامة التفوق.. وتنقل لنا عن البروفسور “جانك” الذي يرى أن جميع العصابيين يمتلكون بذور العبقرية، مع الإشارة إلى أهمية أن يحسنوا زرعها واستنباتها.. مضيفا إن الفرق هو أن العبقري أستطاع أن يعبر عمّا يستعر داخله، وأن يوصله للناس في انتاج فني، أمّا العصابي فيأكل نفسه بصمت وأسى..

• هل يرانا المجنون أغبياء أم حمقى أم لا يكترث بنا أصلا؟! هل يرى المجنون نفسه عاقلا وحيدا أم الأكثر عقلا فينا؟! هل يزدرينا المجنون أم يرانا لا نستحق اهتمامه؟! أم هو يتجاوز الأوصاف والمفاهيم التي نظنها ونعتقدها، ويراها إنها دونه.. هل هو مستهتر بهذه الحياة لأنه أكبر منها؟!! أم نحن الذي نعيش عبوديتها وقوانينها المفروضة أو الغير عادلة؟!

• بعضهم فقد الاحساس بالزمان والمكان.. فهل هذا الجنون تجاوز للزمان والمكان وإدراك للحقائق الكلية أو بعضها، أم هو تيه فيما ورائهما؟! أم هو انكفاء للمجانين على عوالمهم الخاصة، وهو ما يسميها إريك فروم (العودة إلى الداخل)؟ أو كما تقول غادة السمان: “المجنون إنسان غادر نهائياً عالم الآخرين، ليمارس سقوطه البطيء إلى قاع ذاته، وربما ليلمح بين آن وآخر شطآن الحقائق الإنسانية، وأسرارها النائية، يقرأ أبجديتها المشوشة عبر ضباب تمزقه..”!

• هل الجنون هو إدراك متجاوز وانفتاح أكبر من الوجود ذاته؟!! أم هو انعزال وانطواء وانغلاق محكم على الذات؟! أم هو من هذا وذاك!! هل هو انتقال متطرف دون اعتدال أو مرور بمنطقة وسطى بينهما؟!! أم هو كل هذا وذاك وينطبق على تنوعه المثل المشهور: “الجنون فنون”.

• نجيب محفوظ يقول إن الجنون سر مغلق مثله مثل الحياة والموت.. وله محاولة في تقمص شخصية المجنون أو محاكاتها، أو جانبا منها، في قصته “همس الجنون” اقتضب وألخص هنا جانب منها:

وقف أمام المرآة، فوقعت عيناه على ربطة عنقه، فتساءل لماذا يربط رقبته على هذا النحو؟ ما فائدة هذه الربطة؟ لماذا نشق على أنفسنا في اختيار لونها وانتقاء مادتها؟ غادر البيت وهو يسأل: كيف له بالهدوء وهذه الثياب الثقيلة تأخذ بخناقه على رغمه!
القى نظرة ازدراء على الخلق .. إذا ساروا لم يملكوا أن يقفوا. وإذا وقفوا لم يملكوا أن يسيروا. أما هو فيسير إذا أراد، ويقف حين يريد.. توقف مسيره بغتة، وهو يقول لنفسه (هأنذا أقف لغير ما سبب) ونظر فيما حوله ثواني ثم تساءل: أيستطيع أن يدفع يديه إلى رأسه؟ أجل يستطيع. وها هو يرفع يديه غير مكترث لأحد من الناس. 
ثم تساءل مرة أخرى هل تواتيه الشجاعة على أن يقف على قدم واحدة؟ وقال لنفسه نعم أستطيع وما عسى أن يعتاق حريتي؟ وراح يرفع يسراه كأنه يقوم بحركة رياضية في أناة وعدم مبالاة كأنه وحده في الطريق بلا رقيب.. ويصل في النهاية إلى أن يتجرد من ملابسه التي يرتديها..

• أما غادة السمان فحاولت بدافع الفضول والمعرفة الولوج إلى جانب من مجاهل النفس البشرية في تجربه ذاتيه، من خلال استخدامها لعقاقير الهلوسة، وغابت عن الوعي وكادت أن ترمي نفسها من على ناطحات السحاب! وأوردت خلاصة تجربتها في مجموعتها “السباحة في بحيرة الشيطان”. شملت الجنون والمخدر والسحر والتقمص والتنويم المغناطيسي .. إلخ

***
يتبع

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s