من أرشيف الذاكرة.. قصتي مع المرآة

من أرشيف الذاكرة.. قصتي مع المرآة
• حالما كان عمري بحدود الخمس سنوات كانت أمي تحذرني، بل وتقمعني أحيانا للحيلولة دون المكوث طويلا أمام المرآة، ولكن أنا أريد أن أعرف كيف يبدو وجهي أمام الناس.. أنا استمتع كثيرا وأنا أقضي أكبر وقت ممكن أحملق في وجهي بالمرآة.. أريد أن أحفظ تفاصيل وجهي عن ظهر قلب، وعلى نحو أستطيع تخيله في أي وقت أريد، وفي أي حال وهيئة أكون فيها.. أريد أن أطيل النظر العميق لأرى شيئا لا أستطيع رؤيته إلا في المرآة.. ولطالما تمنيت أن يكون الله قد خلق لنا عينا ثالثة بمكان ما في أجسادنا، نستطيع من خلالها في أي وقت أن نرى وجوهنا بيسر وسهولة..

• وعندما وجدت الخلوة والفراغ والوقت الكافي لإشباع رغبتي، حدث لي شيئا غريبا لازلت أذكره إلى اليوم.. كنت في الحجرة العليا بدارنا القديم، والذي صار اليوم مهجورا.. كانت الحجرة مسقوف نصفها، ونصفها بدون سقف.. تلك الحجرة نسميها “البرادة”، كان مفرج الدار يتكئ في أحدى زواياها في نصفها المكشوف.. وتبدو تلك الحجرة مؤنسه، وتمنح بعض الشعور بالراحة، أكثر من أي مكانا آخر في الدار.

• أذكر أن مرآة “مسياه” متوسطة الحجم ومستطيلة الشكل كانت بحوزتي.. بدت لي الخلوة مع المرآة ستكون ممتعة وسعيدة.. لا أحد معي في الحجرة غيرها.. لا أذكر تحديدا أين كانت أمي وخالتي وقاطني الدار.. أغلب الظن أنهم كانوا منشغلين في أماكن أخرى من الدار أو خارجه.. الأكيد أنني كنت استغل غفلة أهلي ومستفردا بنفسي مع المرآة.. كنت أريد أن استمتع بخلوتي وبالمرآة التي بحوزتي أكثر وقت ممكن ومتاح..

• كنت أشاهد صورتي في المرآة وأقلد حركات الوجوه.. أتجهم، وأتصنع الضحك والبكاء والغضب.. أزم شفتاي، وأرخيها.. أقطب جبيني، وأرخيه، واستعجب.. أخرج لساني إلى الأمام كمستفز محاسد، وأقلبها في كل اتجاه.. أقطب حواجبي وأعقد شفتاي نحو اليمين ونحو اليسار.. أغمز وأحملق وأجهض العينين وأضيّفها وأقلّبها في كل اتجاه… أهرّج مع نفسي أكثر من مهرّج.. لو وقف ساعتها أحدهم على ما أفعله لأنفجر ضاحكا، وفجر بالضحك الطابق الذي كنت أختلي فيه..

• بغته ومن غير مقدمات صدمني ما شاهدته في المرآة.. بدا وجهي قد اختطف و استبدل بوجه آخر.. لم يعد الذي في المرآة وجهي الذي أشاهده.. شاهدت وجه غير وجهي يملا وجه المرآة.. وجه قبيح لعجوز شمطاء، بتجاعيد عميقه وكثيرة، كخريطة طبغرافية معقدة التضاريس والمنحدرات.. وجه ألقى الرعب والزلزلة في نفسي، وحفر في ذاكرتي تفاصيله إلى اليوم.. لا استطيع نسيانه ما حييت.. وجه مدرج بالتجاعيد العميقة والمتزاحمة.. وجه صارم وجهوم ومخيف.. وجه يصعقك بالصدمة والفزع والرعب..

• كدت أصرخ.. وبسرعة رميت من يدي المرآة.. خرجت فزعا من الحجرة إلى السطح المكشوف المجاور.. خرجت إلى جوار “غرب” الماء المقطرن.. انتابني هلع شديد، كدت معه أفقد عقلي.. كاد قلبي يقفز من صدري ذعرا.. تذكرت على إثرها تحذيرات أمي التي كانت تنصحني دوما على عدم إطالة مشاهدة صورتي في المرآة..

• الحقيقة لا أدري من أين جاءت أمي بهذه النصيحة؟! لعلها سمعت بحدوث أشياء مشابهة لما حدث لي؛ كأنها أخبرتني عن فتاة حدث لها مثل هذا الذي حدث لي ولكن كنت محظوظا، فيما الفتاة فقدت عقلها.. لعل نصيحتها جاء على هكذا مبنى أو سماع.. تجربة بالنسبة لي أقل ما يمكن أن توصف بالمخيفة..

• أخبرتني أمي إن من شاهدته في المرآة كانت جنية، وكدت أجن مما حدث، وكان الجنون أكيد لو أطلت المشاهدة برهة زمن.. وبعد أيام من القطيعة مع المرآة، وبدافع الفضول والتأكد عما إذا كنت أستطيع أن أشاهد صورتي في المرآة مرة أخرى أم ستكون القطيعة مع المرآة إلى الأبد.. عدت لأشاهد صورتي بحضور أمي، وكنت أختلس النظر إلى المرآة خلسة وبحذر شديد، لأشاهد ملمح صورتي فيها، فوجدتها أنها صورتي، وليست صورة العجوز، أطمأنت إنني بخير، وان الدنيا لازالت بسلام، ومن تلك الواقعة إلى اليوم لا أطيل المكوث أمام المرآة، ولكن تلك الواقعة بدت لي أنني شارفت فيها على الجنون وفقدان العقل.

***
يتبع..

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s