من أرشيف الذاكرة نائب خجول ومصاب بالرهاب 

من أرشيف الذاكرة
نائب خجول ومصاب بالرهاب 
• أحيانا حالما أكون أمام جمهور، أو أمام كاميرا تلفزيونية، أو حتى أمام فتاة حسناء، أو امرأة جميلة، تجتاحني رهبة كبيرة، وخجل عظيم، ومخاوف غير مبررة.. أشعر بالخجل والاضطراب والتوتر.. أفقد زمام السيطرة على أعصابي.. تكتظ الأفكار في رأسي.. تتضارب وتحتدم بعضها ببعض، دون اتجاه، أو إشارة مرور إلى طريق أو زقاق..

• أفقد تراتبية الحديث وتسلسل الأفكار.. تضيع مني الأولية بين الأهم والمهم وما دونهما.. انتقل في الحديث من فقرة في اتجاه معين قبل أن أكملها، إلى فقرة أخرى، وربما إلى فكرة ثانية دون أن أستكمل الأولى.. أفقد كثير من التركيز، وربما يرتعش بعض أجزاء جسمي، ويتهدج صوتي، وتتصاعد أنفاسي، واتلعثم في القول..

• أذكر في إحدى اللقاءات مع الناخبين، توقفتُ فجاءة عن الكلام، لأكثر من خمس ثوان، حتى شعرت بالعجم، بعد أن طارت الفكرة، وهربت مني المفردة، وامتنعت الذاكرة في اللحظة من اسعافي بالكلام.. شعرت بعور أصابني، وإعاقة نفسية تسكن فيني وتحبطني، ووجود خلل كبير في جهازي العصبي.. اعتراني شعور بالنقص، وإحساس أن ثمة خالقا لم يتم خلقه..

• كنت قبل أن أصير عضوا في مجلس النواب أحدث نفسي: كيف يمكن أن أتحدث في قاعة مهابة، أمام ثلاثمائة نائب، وأمام أربع كاميرات تحيطني من كل جانب، وتنقل تفاصيلي من أربع زوايا، لملايين البشر؟!! كيف لي أن اقتحم كل هذا وأنا الخجول الذي قمعت حبي طويلا بسبب خجلي الكبير، وفشلت في البوح أو الكلام ثلاث سنين مع الفتاة التي أحببتها بصمت مهول، وكتمان شديد، دون أن تدري أو تعلم هي أنني في حبها أشتعل وأحتظر!!

• كنت اغالب هذه المشاعر والأحاسيس المحبطة، بإدراك أن هناك متسعا لأن أحوّل هذه الإعاقة النفسية والاجتماعية، إلى قوة أكبر منها، في نفس السياق، أو حتى في سياق ومضمار آخر مختلف..

• هل سيكون نموذجي ومثالي هو نيوتن البرلماني الصامت الذي قيل عنه، أنه لم يقل شيئا خلال سنوات تمثيله ووجوده في البرلمان غير مطالبته بإغلاق النافذة!! أم ذلك الفلكي الذي دعاه الملك لحضور الاحتفال في قصره، فحبس بوله حرجا وخجلا من أن يسأل عن المرحاض.. فاعترش الخلود ليس بسبب اكتشافاته الفلكية، وإنما بسبب هذه القصة المميتة..

• الخجل والرهاب الاجتماعي مشكلة عميقة أعاني منها منذ الصغر.. إنها اعاقه نفسية، كلفتني كثيرا من الخسائر على المستوى الشخصي، وفوتت لغير صالحي كثيرا من الفرص.. ولازالت ترافقني بعض ملامحها إلى اليوم.. وأحيانا تعاود مداهمتي بسطوة وطغيان.. إنها خليط من الخجل الشديد والرهاب الاجتماعي الأشد..

• نجحت في تجاوز كثير منها خلال حياتي الماضية، غير أنني أشعر في بعض الأحيان أنني لم أتخلص منها بعد.. بل إنها تعاود مداهمتي بعد انقطاع، وعلى نحو لا أتوقعه في بعض الأحيان، رغم مسيرة حياتي المشاغبة والمكتظة بالمواجهات، والمليئة بالضجيج والجلبة والصخب..

• أشعر أن مرد هذا الخجل والرهاب يعود ابتدأ الى تنشئة أسرية خاطئة.. طفولتي أقل ما يمكنني أن أقول عنها إنها كانت تعيسة للغاية، تحدثت عنها وألمحت إليها في أكثر من موضع ومكان في السابق، وتحديدا في أرشفة ذاكرة الطفولة المثقلة بالقسوة والمعاناة والحرمان..

• لقد كانت طفولة منهكة وحساسة ومثقلة بالألم.. يضاف إليها مشاكل أسرية جمة، رافقت حياتي الأولى المتعبة، وقلق مساور في أغلب الأحيان.. كنت مطالبا بطاعة عمياء، وأي رفض لها، يتبعه دون مهل، العقاب القاسي والعجول، ومن دون سؤال.

• كانت تثقل كاهلي سلطة أبوية صارمة وقاسية من عناوينها “اضرب ابنك واحسن أدبه، ما يموت إلا من وفاء سببه” “اضربه.. يقع رجال” “علموهم على سبع وأضربهم على عشر”.. ثم يزيد الحمل على كاهلك الصغير والغض، بسلطة أخرى، هي سلطة الأستاذ أو المعلم..

• يضربك الأستاذ لأقل وأتفه خطاء، بعصى أو خيزران، في صباح صقيع، على بطن وظهر كفك، وأحيانا يدعي أقرانك ليكبلوك، ويخمدوا قواك، بأيديهم وأرجلهم، ليفلك قاع قدميك، حتى يكاد الدم يتطاير من وجهك، وعروق عنقك، وقاع قدميك.. يضربك بقسوة تشبه الانتقام، بحضور ولائمي، ومشهد جماعي، دون أن يتفهم أسبابك، أو حتى يستمع لعذرك..

• وقبل أن تتحرر من سلطة الأب وسلطة المعلم، تداهمك سلطة قامعة ثالثة، تقتل أهلك، وتفتش دارك، وأنت لا زلت طفلا، أو دون البلوغ.. ثم تراقبك وتلاحقك وتتربص فيك، وتقمعك بقية حياتك، من أجل احتواءك، أو تدجينك، أو جلبك إلى عالم الطاعة والخضوع ..

• طالني قمع كبير لوقت طويل، لإرغامي على الولاء والطاعة، ولأكون منقادا وتابعا ومطواعا “حسن السيرة والسلوك”.. بلا رأي ولا موقف ولا إرادة ولا حياة.. فيما كنت في المقابل، استميت في الاعتراض والرفض المقاوم، وتأكيد ذاتي واستقلالي الجموح.. صراع خضته باكرا ولم ينته إلى اليوم..

***
يتبع..

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s