من أرشيف الذاكرة .. “المدعمم”

– عندما كانوا ينسقون و يناورون و يتكتكون، و ينشرون الافتراءات و الاشاعات و الأكاذيب للنيل منّا، كنت منهمك جدا فيما أنا فيه، أسير على نحو حثيث نحو ما حددته لنفسي من هدف، مدفوعا بإصرار نادر و عجيب .. لا أحملق في التيه، و لا ألتفت إلى الوراء الذي يشدني إليه، و لا أَعلَق فيما يريدون أن أَعلَق به، و لا أكترث بما هم فيه، إلا في حدود ما هو ضروري و مؤثر على سيري نحو هدفي المعلن، و غير القابل للتنازل أو المساومة..

– كنت أسير بانهماك نحو الهدف الذي أرنوا إليه، و ابذل قصار جهدي و كل قواي لبلوغه، و برغبة جامحة، و إرادة قوية، عبرّ عنها في غمرة ذلك الانهماك الصحفي المخضرم “محمد عبد الرحمن” من منطقة “المرابحة” عندما قال: (و الله ما شتجي إلا لذاك “المدعمم”).

– لقد اسماني محمد عبد لرحمن بـ “المدعمم”، و الحقيقة أنني لم أكن أعرف في وقتها أنني “مدعمم”، و لكن عندما استعيد تفاصيل اللحظة أو المرحلة، أكتشف أنني كنت بالفعل “مدعمم” استثنائي دون منافس .. كنت أشبه بمن أحرق كل مراكب العودة، و لم يبق معه خيارا غير التقدم إلى الأمام، و الرغبة العارمة في الاقتحام و النجاح..

– فريقي المكون من الاشتراكيين و المستقلين كان يعاني من ضيق الحال، و قلة الإمكانات، و لكنه كان متفاني و دؤوب و مُنجِز في العمل، و على درجة ممتازة من الوعي، و الشعور بجسامة التحدّي..

– كنت أدبِّر الحد الأدنى من المصروف اليومي لفريقي، و في حدود ما هو متاح و ممكن .. فيما كان فريق المؤتمر أفضل حالا، و امكاناته المادية عامرة أو ميسورة إذا ما قارنّاها بحالنا السيء .. و كان الاتفاق أن يدعم المؤتمر فريقه و يلبي احتياجاته اللازمة للحملة الانتخابية، فيما أنا أتولي شؤون فريقي و احتياجاته اللازمة للحملة .. مع ملاحظة أن المؤتمر دعمني ماليا في فترة حرجة، و لكن لم أعد أتذكر كم هو المبلغ الذي دعمني فيه بالتحديد، و لكن أظنه إن لم تخنِ الذاكرة، ستمائة ألف ريال، و أذكر أنني وقعت على استلام بهذا المبلغ.

– فريقي الانتخابي لم يكن يحصل على مصروف جيب، كما هو الحال لدى كثير المرشحين الآخرين، بل أن بعضهم كان يصرف من جيبه الخاص، و بعضهم يستعين بصديق ليصرف معه، و بعضهم يريد مساعدتي، و لكنه كان يعاني من وطأة فقره، و يعف عن طلب المال.

– كنّا و فريقي نخرج الصباح و لا نعود في أغلب الأحوال إلا في وقت متأخر من الليل .. أذكر إننا كنا نتغدى “سفري” روتي و بصل و ساردين “جيشا”.. كنّا عندما نجوع في الظهيرة أو بعدها نحط الرحال، و نتناول وجبة الغداء على عجل .. كانت كثرتنا وجوعنا تجعل تلك الوجبة شهية و لذيذة .. و في الليل و بعد أن نفرغ مما كنّا بصدده، نعود لنتعشى في وقت متأخر من الليل، في منزل أخي عبد الكريم الذي أفقرناه، و أضعنا ضماره و رأس ماله.

– في احدى المرات توقفنا “رأس نقيل ثوجان” لتناول الوجبة السفري، و تصادف مرور فريق المؤتمر، عزمناهم على الغداء، نزلوا ليأكلوا معنا، لكنهم تفاجئوا بوجبتنا الداعية للشفقة، فتناولوا بعض منها بحرج و حياء، ثم غادروا إلى “الراهده” لتناول وجبة الغداء..

– كان مقر الفريق الانتخابي الذي يعمل معي، جزء من دكان عبد الكريم، وهو عبارة عن مخزن فارغ تابعا للدكان، و كان لديه فيه ثلاجة فيها دجاج نفذت بعد اسبوع، و نفذ أيضا الديلسي و البسكويت و الساردين و البصل قبل انتهاء الدعاية الانتخابية بأيام.

– و في تجوالنا في المراكز الانتخابية، و حضور المهرجانات، و اللقاء بالناخبين نستخدم سيارة أخي عبد الكريم و كانت نوع شاص، و سيارة عبده فريد نوع “سوزكي” و اخرى صالون نستأجرها من صديقنا عبد الله علي، ظللت أسدد أجرتها تقسيطا بعد الفوز لعدة شهور .. فيما سداد اقساط الديون المالية النقدية لزمها وقت أطول، و لم أنتهِ من سدادها إلا بعد سنوات من عضويتي في مجلس النواب.

– أحيانا كانت تزدحم المهام التي يتعين إنجازها، فينقسم الفريق إلى عدة فرق صغيرة، و كل فريق مصغر، يتجه إلى وجهته لإنجاز مهمته، وفق الخطة التي يتم الاتفاق عليها مسبقا..

– في إحدى المرات كان الوفي و النشيط ردمان النماري يلصق صوري في منطقة الرام بالأعبوس، ثم ظل من الوادي إلى وادي الزبيره في قدس، و مكث قرابة نصف النهار يلصق صوري الانتخابية في دائرة أخرى تابعة لمرشحين آخرين.

– كانت صوري في مستهل الحملة الانتخابية بالأسود و الأبيض، ثم صارت ملونة بعد فوج من الدعم تلقيته من الأستاذ القدير محمد عبد الرب ناجي، و كانت صوري تتعرض للتمزيق على بعض الجدران و الأمكنة، ثم أعاود دون يأس نشر بديلا عنها، إلا أن ما آلمني ما كان يفعله بعض المنتمين أو الموالين لحزب الإصلاح ـ كما بلغني ـ في وادي “السبد ـ أعبوس”، عندما كانوا يخرفون عيوني من الصورة ويتركونها شاخصة و مشوهة بلا عيون..

– كنت لا أتعاطى القات أثناء الحملة الانتخابية إلا في بعض الأحيان، أما بسبب إلحاح الناس أو بسبب إلحاح النعاس، الذي يفترسني هو و الإنهاك الشديد..

– كنا ننهك كثيرا في العمل الدؤوب و الذي يستمر بعض الأحيان، ثلاثة أرباع النهار و ثلثي الليل .. و نعاني من وعورة الطريق المكسرة، أو غير الصالحة، و أحيانا الخطرة .. ذات مرة عدنا من “الأغبرية” عصرا عبر نقيل العريضة، بسيارة أخي عبد الكريم، و هي طريق وعرة و خطرة، تمر عبر قرية “الكاذي” وصولا إلى “نجد الخضر” غرب الرماء، و لم انتبه إلا بعد وصولنا النجد، كانوا ينزلوا من السيارة لوضع الاحجار خلف الاطارات لتتمكن من السير و الصعود، فيما كنت أنا بسبب الإرهاق الشديد في السيارة أغط في نوم عميق.

– كنا نعاني كثيرا و على نحو متتابع أحيانا من نفاذ وسائل و مواد الدعاية الانتخابية، و عدم قدرتنا على توفيرها لمن يعملون معنا في المراكز الانتخابية الـ 14، و لكن كنا نجد مبادرات و تفاعل عفوي من الناس في حملة الدعاية الانتخابية. ففي ثوجان مثلا كان عبد الرؤوف محمد مقبل يعمل مدرسا، نحت الشعار على أوراق مقوى لطبعه على الجدران، و اعطانا عدة نماذج لنوزعها على المراكز الانتخابية .. و في منطقة “النويحة” تفاجئنا بمبادرة بعض المواطنين في المشاركة بالدعاية الانتخابية و الكتابة على الصخور، و جوانب الطرقات، فيما بعض سيارات المواطنين كانوا يضعوا “الشريم” في مقدمة السيارات، كنوع من الدعاية الانتخابية، وشاهدت سيارات في الرماء و المداكشة تفعل ذلك أيضا.

***

يتبع

رابط المقال هنا

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s