من أرشيف الذاكرة (3) عندما تخسر من تحب بسبب خجلك

من أرشيف الذاكرة
(3)
عندما تخسر من تحب بسبب خجلك
• أحببتها ثلاث سنين دون أن تعرف أنني أحبها.. لم تعرف ولعي بها إلا قبل رحيلها بقليل، هذا إن كنت قد قاربت الفهم وأصاب الظن مرماه.. أحببتها حد الانتحار والكفر والعصيان.. أحببتها حد التمرد على الغيب والغياب، والثورة على الأقدار التي عاندت هذا الحب، ووقفت في طريقه كمستحيل، وتحولت إلى قاطع طريق، مجدب ومتصحر، لا يعرف حبا ولا ودا ولا رقة ولا عاطفة..

  • ظلت الأقدار تتعسني بطغيان خجلي، وقلة حيلتي، وتتلذذ بعذابي وأوجاعي وخيبتي.. تصطليني نارا، وتصلبني في محراب من أحب، دون نتيجة أو حصاد أو حتى لقاءا عابرا للحظة في غفلة زمن تعيس.. كيف لا أثور عليها، وأحتج في وجهها، وقد استكثرت عليّ لقاء عابر يجمعني بها صدفة، في ممشى أو طريق، خلال ثلاث سنين من الحب والغياب والعذاب؟!!

  • ثلاث سنين، وحبي محبوسا في أعماقي، مسيجا بكتمان من الحديد وعوازل الصوت.. سر عميق في قاع بئر ردمته بالحجر، وأهلت عليه التراب والحصى، حتى لا يكشفه تطفل، ولا يقتفيه فضول، ولا يعلم به أحد.. نعم.. إنها ثلاث سنين لا يعلم بحبي مخلوقا أو بشرا، بما فيهم للأسف من أحب!!

  • كان هذا خلال دراستي الثانوية.. كنت أقطع قرابة 15 كيلو متر لأراها.. نعم لأراها فقط.. ومثلها أقطع من المسافة في الإياب.. 30 كيلو مترا ذهابا وإيابا، إنها المسافة من مدرسة البروليتاريا التابعة لمحافظة لحج، إلى حي القطيع في كريتر عدن، ذهابا وعودة.. كنت أحيانا أقطع بعضها أو جلها راجلا على الأقدام أو “تعبيرة”.. كنت انتظر الخميس والجمعة كموعود ينتظر لقاء ربه.. أقطع هذه المسافة لأراها في “البلكون”.. انتظرها كثيرا حتى تتحبر شرفتي انتظارا، وأعاود الاطلال منها ألف مرة، لأقتنص فرصة واختلس نظرة منها أظل أرقبها ساعات طوال..

  • ثلاث سنوات لم أتجرأ أن أسأل حتى عن اسمها!! وعندما جمعت كل أشتات شجاعتي من الدنا والأقاص، في وجه خجلي العرمرم؛ سألت بيت جارهم التي كنت أزورها، وأقيم فيها من ظهر الخميس وبعض مما يليها، أصابني المس والزهيمر.. خجلي جعلني مضطرب كشجرة في وجه إعصار غاضب أو عاصفة مدمدمة.. لم أتيقن عمّا إذا كان اسمها ليندا أم رندا؟!! وهل ينتهي اسمها بالألف أم بالياء المقصورة..؟!!

  • أي قدر هذا الذي منعني أن أمسك باسمها مسكة حبيب مستميت.. ظلت حيرتي ترافقني إلى اليوم، فأوفيت لحب عرفته بحجم المجرّة؛ ولأنه من طرف واحد، كان نقصه أيضا بنفس الحجم؛ فأتممته بوفاء قل نظيره والمثيل..

  • أسميت أحدى بناتي رندا، والأخرى تحوطا اسميتها ليندا.. هكذا هو جنون الحب الذي لا نطوله.. نظل نبحث عنه بقية العمر ولا نجده، ولا يزيدنا في العمر إلا ندما وعذابا وأسى..

  • غادر أهلها وغادرت هي حي “القطيع” إلى الشمال دون رجعة.. وفي الشمال لم أجدها، لأنني ببساطة لا أملك أي معلومة عنها.. وإن كنت قد عرفت أنها على الأرجح من مكان غير بعيد، ولطالما كتبت تحت اسم “ليندا العريقي” كثيرا من بوح تمرداتي الأولى، وثورتي في وجه الغياب.. قطع المستحيل كل رجاء في محفل حب كانت فيه أمنيتي كبيرة، فأضاعها خجلي الأكبر والمهول، وقدري المتعوس بالرهاب..

يتبع..

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s