من أرشيف الذاكرة عندما يتملكك الرهاب والخجل وتقفز من السيارة وهي مسرعة (2)

من أرشيف الذاكرة
عندما يتملكك الرهاب والخجل وتقفز من السيارة وهي مسرعة
(2)
• كان خجلي ورهابي أحيانا يخرس صوتي، ويبتلع لساني من جذرها المغروس في عمق فمي الملجوم بالخجل والحياء والرهاب.. كان خجلي ورهابي يمارسان طغيانهما على حياتي الأولى، بقسوة أشعر بكثافتها وسطوتها اللاسعة كالنار..

  • طغيان وقسوة الرهاب والخجل على من لازال حديث السن، يتلمس أعتاب الحياة، فيما الحياة صاخبة وضاجة، تتطلب كثير من الجُرأة والصراخ وممارسة الوجود.. كنت أشعر بالخيبة والمرارة، وقلة الحيلة فيما لا يحتاج أصلا إلى حيلة أو دوران..

  • كنت مأسورا بالانطواء الشديد، والحياء المطبق بكلتا يديه على فمي المكتوم والملجوم، بل والممتنع أيضا عن محاولة المقاومة، أو طلب النجاة، أو فعل ما تمليه عليه الفطرة والغريرة والبديهة..

  • يستطيع المرء أن يتصور مدى خجلي بمفارقة اللامعقول.. يستطيع المرء إن يتصور مدى خجلي بصورة من يأثر هلاكه بسبب خجله على النطق ببنت شفة لا تكلف شيئا حتى مما لا يستحق الذكر..

  • كيف لإنسان أن يخجل من صوته ويشعر بالرهاب ممن حوله؟! كيف لإنسان أن يأثر بسبب حياؤه وخجله، وما يتملكه من رهاب، القفز من السيارة التي تقله وهي مسرعة، على أن يطلب من صاحب السيارة الوقوف للنزول منها؟! كيف لإنسان أن يخاطر بحياته دون داعي أو لزوم أو توفر مبررا أو حتى سببا تافها لذلك..

  • كان عمري يومها 15 عاما أو مقاربا لهذا.. توقف أبو شنب بسيارته اللاندروفر عندما أشرت له بالوقوف، والسماح لي بالصعود على سيارته، فيما كنا نسميه “تعبيرة”.. كان أبو شنب رجلا طيبا ومعتادا على تعبير الطلاب الذين لا يملكون مالا، دون أن يأخذ منهم أجرة نقل، ولاسيما إن وجدك راجلا في الطريق وترجوه بخجل أن يوصلك..

  • كانت وجهة السائق والركاب إلى منطقة “ضوكة”، فيما كنت أقصد “شعب الأعلى”، مجفلا إلى قريتي في القبيطة.. كانت السيارة مزدحمة بالركاب، وتسلقت على حدائدها، وظفرت بمكان صغير في مؤخرتها.. وبعد قليل تفاجأت إن السيارة متجهة إلى غير وجهتي..

  • كنت أظن وجود شخص أو أكثر ممن تقلهم السيارة، يطلب من السائق التوقف للنزول منها، لعل وجهته تماثل وجهتي، غير أن خيبة الظن أصابتني، فالجميع على غير وجهتي.. الجميع متجه إلى “ضوكه”.. وبسبب خجلي وما يتملكني من رهاب، لم أتجاسر على أن أصرخ طالبا إيقاف السيارة.. كانت السيارة تسير بسرعة في وجهتها، وتبتلع المسافات بنهم وشراهة، فيما أنا آثرت القفز من السيارة على طلب إيقافها..

  • قفزت من السيارة، وارتطم جسدي على الأرض، وخلت جسدي في أول وهلة قد تطاير كالزجاج.. عندما ألتطم ذقني على الأرض بقوة، واصطكت أسناني، وأرتطم الفكين ببعضهما، شاهدت شررا قادحا من عيوني يخر في كل اتجاه.. أحسست إن الارتطام قد صيرني حطاما ونثارا لا يُجمع ولا يجتمع، فيما كان ركاب السيارة يصرخون وقد شاهدوا بغته وقوع أحد الركاب من السيارة دون أن يعلموا أنني فعلتها بمحض إرادة غير سوية.. أوقف السائق السيارة على إثر صراخ الركاب ليرى ما الذي حدث..

  • تعددت الإصابات في جسدي، وكان الدم يهر من سحجات وخربشات الخدوش في أجزاء متفرقة من جسدي المنهك.. قميصي متسخ وسروالي مزقه الاحتكاك بالأرض، ودم يهر من الخدوش، ومن أسفل ذقني دم يسيل..

  • نزل السائق من كبينة السيارة ليرى ما حدث، فيما أنا غالبت وقع الارتطام، وشرر الألم، ودفعني الحرج والخجل الأشد أن استجمع قواي، ونهضت بمكابرة لا يعرفها من هو حديث السن، لأنقل لمن كان في السيارة التي وقفت على بعد مئات الأمتار، أنني معافا وعلى ما يرام، فيما السائق بدا في سعادة الناجي، وكأنه هو الناجي لا أنا.. كانت مكابرتي ونهوضي السريع بدافع الخجل أيضا قوية وغالبة، ودون أن أتفوه ببنت شفة، وبديت في شكل من يتحمل مسؤولية ما حدث كاملا دون نقصان..

  • وبعد مشقة ومغالبة للألم وصلت إلى بيتي، وأول ما شاهدت على المرآة، شاهدت ذقني الذي ارتطم بالأرض، ولاحظت في أسفل الذقن جانباً زائداً وجانباً ناقصاً في غير اتساق.. أختل النسق والاستواء، ولازال هذا الاختلال قائما إلى اليوم..

يتبع…

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s